أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
26
العقد الفريد
وقال أعرابي لصاحب له : اصحب من يتناسى معروفه عندك ، ويتذكر حقوقك عليه . وقال أعرابي : لا تسأل عمن يفرّ من أن تسأله ، ولكن سل من أمرك أن تسأله ، وهو اللّه تعالى . وقيل لأعرابي في مرضه : ما تشتكي ؟ قال : تمام العدّة ، وانقضاء المدّة . ونظر أعرابي إلى رجل يشكو ما هو فيه من الضيق والضر ، فقال : يا هذا ، أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك . وقالت أعرابية لابنها : يا بنيّ ، إن سؤالك الناس ما في أيديهم أشد من الافتقار إليهم ، ومن افتقرت إليه هنت عليه ، ولا تزال تحفظ وتكرم حتى تسأل وترغب فإذا ألحت عليك الحاجة ولزمك سوء الحال ، فاجعل سؤالك إلى من إليه حاجة السائل والمسؤول ، فإنه يعطي السائل . وقالت أعرابية توصي ابنا لها أراد سفرا : يا بنيّ ، عليك بتقوى اللّه فإنه أجدى عليك من كثير غيرك ؛ وإياك والنمائم ، فإنها تورث الضغائن وتفرق بين المحبين ، ومثّل لنفسك مثالا تستحسنه من غيرك فاحذر عليه واتخذه إماما ، واعلم أنه من جمع بين السخاء والحياء ، فقد أجاد الحلة إزارها ورداءها . قال الأصمعي : لا تكون الحلة إلا ثوبين : إزارا ورداء . أنشد الحسن لأعرابي كان يطوف بأمه على عانقه حول الكعبة : إن تركبي على قذالي « 1 » فاركبي * فطالما حملتني وسرت بي في بطنك المطهّر المطيّب * كم بين هذاك وهذا المركب وأنشد لآخر كان يطوف بأمه : ما حجّ عبد حجّة بأمّه * فكان فيها منفقا من كدّه
--> ( 1 ) القذال : جماع مؤخر الرأس من الانسان والفرس فوق القفا .